ابراهيم رفعت باشا

57

مرآة الحرمين

فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح « 1 » ثم حبب اليه الخلاء فكان يخلو « بغار حراء » فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزوّد لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها حتى جاءه الحق « 2 » وهو في « غار حراء » فجاءه الملك فقال : اقرأ قال : ما أنا بقارئ قال : فأخذني فغطني « 3 » حتى بلغ منى الجهد « 4 » ثم أرسلني فقال اقرأ : قلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ « 5 » . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ فرجع بها رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يرجف « 6 » فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال زملوني « 7 » زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع « 8 » فقال لخديجة وأخبرها الخبر : لقد خشيت على نفسي ، فقالت خديجة : كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم « 9 » وتحمل الكل « 10 » وتكسب المعدوم وتقرى « 11 » الضيف وتعين على نوائب الحق - الحديث . فترى من هذا مكانة « غار حراء » وأنه كان متعبدا للرسول صلى اللّه عليه وسلم قبل البعثة وأن به نزلت أوّل سورة من القرآن الذي هو نور وهدى للناس وفيه شفاء لما في الصدور فلا تعجب إذا رأيتنا ولعين بزيارة هذا الأثر ، ففي يوم 16 ذي الحجة سنة 1318 قصدت جبل حراء في جملة من الضباط والعساكر وبعض الحجاج فوصلنا إليه بعد خمسين دقيقة بسير الخيل المعتاد ، وهذا الجبل يقع في شمالي مكة على يسار الذاهب إلى عرفات بعيدا عن جادّة الطريق بنحو ميل ، ويقول ياقوت

--> ( 1 ) بياضه . ( 2 ) الوحي . ( 3 ) الغطّ : العصر الشديد ، ومنه الغطّ في الماء : الغوص قيل : إنما غطّه ليختبره هل يقول من تلقاء نفسه شيئا . ( 4 ) الطاقة . ( 5 ) دم غليظ . ( 6 ) يضطرب قلبه . ( 7 ) لفونى في الثياب . ( 8 ) الخوف . ( 9 ) القرابة . ( 10 ) الضعيف . ( 11 ) تكرمه .